خرسانة أقوى بإعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون

نعمل على ابتكار عمليات معالجة من أجل إحداث ثورة في طريقة إنتاج الخرسانة

  • في عام 2014 بدأنا العمل على إيجاد طريقة للاستفادة من ثاني أكسيد الكربون في قطاع الخرسانة 

  • تم استخدام المخلفات الناتجة عن ثاني أكسيد الكربون بجانب البخار كجُزء من معالجة الخرسانة

  • تم تخزين ما يصل إلى 200 كيلو غرام من ثاني أكسيد الكربون في كل طن يتم إنتاجه من الخرسانة

  • بنفس قوة وكفاءة الخرسانة العادية لكن بربع الوقت

بعد الماء؛ تُعد الخرسانة من أكثر المواد التي صنعها الإنسان استخدامًا على وجه الأرض، ففي العام 2019 وحده تم إنتاج ما يقارب 4 مليارات طن من الخرسانة، ومن المتوقع أن ترتفع هذه الكمية خلال السنوات القادمة، ومع ذلك فإن الإسمنت؛ المكون الرئيس للخرسانة، يُعتبر مسؤولًا عن 7% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم سنويًا.

في حين كان التركيز في قطاع الخرسانة عامة مُنصبًّا على التفكير فقط في كيفية تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فقد تعدى تركيزنا ذلك لنسلط الضوء على استخدام الإسمنت بدلًا من إنتاجه، لذا عملنا على ابتكار طريقة نستخدم فيها ثاني أكسيد الكربون كجزء من عملية المعالجة لتصنيع الخرسانة.


لبِنات أساس لبناءٍ راسخ

بأبسط شكلٍ ممكن؛ يتم دمج الإسمنت بالرمل والماء والركام لإنتاج الخرسانة، وعندما يُمزج الإسمنت بالماء، ينتج عن ذلك تفاعل كيميائي يُسمى "الترطيب" والذي يسمح للمزيج بأن يُصبح صلبًا فيما بعد.

يمكن أن تتأثر هذه العملية بعدة عوامل، كدرجة الحرارة الخارجية أو حتى كمية الإسمنت في الخليط. لكن الأهم هو احتفاظ الخرسانة بالكمية المناسبة من الرطوبة على أن يتم حفظها في الغالب في درجة حرارة مناسبة ولمدة زمنية عادة ما تمتد إلى 28 يومًا، حتى تصل لأقصى قوة ، إذ أن جفافها بسرعة كبيرة يفقدها قوتها وصلابتها، ومن هنا يأتي دور المعالجة.

المعالجة الحاسمة

لا تزيد عملية المعالجة من قوة الخرسانة فحسب، بل تجعلها أيضًا أكثر متانة ومقاومة للتشقق والتصلب والذوبان وتمنحها نفاذية أقل للماء.

كما توجد العديد من الطرق للمعالجة، من استخدام البخار أو رش السطح برذاذ، أو حتى تغطيته بنسيج أو صفائح بلاستيكية تحفظ الرطوبة، حيثُ أن الفرصة لابتكار جديد كانت سانحة أمامنا لمعالجة الخرسانة باستخدام انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.


قصة نجاح يكتبها الجميع

أثبت استخدام تقنيات مثل تقنية التقاط الكربون المحمول و احتجازه في المنشآت الصناعية نجاحه في الحد من وصول الانبعاثات إلى الغلاف الجوي، لكن يبقى السؤال، ماذا يمكننا أن نفعل بمخلفات ثاني أكسيد الكربون التي قمنا باحتجازها؟

تشمل الخيارات المُتاحة احتجاز الكربون في باطن الأرض أو تحويله إلى منتجاتٍ جديدة من خلال تقنيات كونفيرج® بوليول أي بإعادة تدويره.

حيثُ أن إعادة استخدام الكربون تعد واحدة من أربعة طرق والتي تتمثل بالحد والإزالة وإعادة التدوير، مما يُسهم في تعزيز الاقتصاد الدائري منخفض الكربون، وكل هذا نابعٌ من إيماننا بأن فكرة مثل هذه كفيلة بالإسهام في تقليل الانبعاثات العالمية مع ضمان نموٍ اقتصاديٍ ثابت، وما ابتكاراتنا في هذا الصدد إلا دليل عملي على ذلك.

من فكرة مجردة إلى واقعٍ ملموس

بدأنا مشروعنا البحثي في عام 2014، حيثُ عملنا بالتعاون مع المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتقنية على دراسة عملية الإنتاج، والتأكد عن طريق الأبحاث من الوقت والكيفية اللتين يمكننا من خلالهما استخدام تقنيات استخلاص الكربون واحتجازه.

كانت الفكرة تكمن بإنشاء حوض لاحتجاز الكربون داخل الخرسانة، دون الإضرار أو حتى التأثير سلبًا على جودة وصلابة المنتج النهائي، ولتحقيق ذلك اختبرنا تركيبات وتركيزات مختلفة لثاني أكسيد الكربون، والنتيجة كانت احتجاز نسبة 20% من ثاني أكسيد الكربون داخل الخرسانة

كان مفتاح نجاحنا يرتكز على الجمع بين ثاني أكسيد الكربون والبخار في آنٍ معًا، وبعد أن ثبتت صحة الفكرة مبدئيًا؛ كان الارتقاء بها إلى تطبيق صناعي أمرًا بالغ الأهمية.

الخرسانة الجاهزة طريقنا نحو التقدم

الطريقتان الأكثر شيوعًا لصناعة الخرسانة هما قوالب الخرسانة مسبقة التصنيع وخليط الخرسانة الجاهز، ويمكن أن يحتوي كلاهما على نفس المكونات، ولكن إنتاجهما يتم بطرق مختلفة جدًا.

يتم تصنيع خلطة الخرسانة الجاهزة في مصنع ثم نقلها في خلاطات الإسمنت الخاصة إلى مواقع البناء حيث يتم صبها في أماكنها المخصصة، من أبرز السلبيات التي تنتجها هذه العملية هي تأثيرها الكبير على البيئة عن طريق زيادة معدلات الغبار والضوضاء عطفًا على الانبعاثات الناتجة عن عمليات النقل.

كما وقع اختيارنا على قوالب الخرسانة مسبقة التصنيع، والتي تستخدم كقوالب قابلة لإعادة الاستخدام لتحضير الخرسانة وصبها ومعالجتها في بيئة محكمة، وفي مكانٍ واحد بعيدًا عن موقع البناء ليتم نقلها بعد ذلك إلى موقع البناء لاستخدامها.

إذ يقلل استخدام القوالب حدوث أي أخطاء محتملة، مما يجعلها الأسرع والأكثر كفاءة فيما يتعلق بإنتاج كمياتٍ كبيرة من المنتجات المُتماثلة، مثل ألواح الجدران والأنابيب والأنفاق، والتي غالبًا ما تُستخدم مع الهياكل الفولاذية والخرسانة التي يتم إنتاجها في مواقع البناء.

فبالإضافة إلى قدرتها على التحكم في بيئة المعالجة؛ تتمتع الخرسانة مسبقة التصنيع بالعديد من المزايا، بما في ذلك انخفاض التكاليف المتعلقة بالعمالة والنقل، كما تُعد صناعة مزدهرة قدرت قيمتها حوالي 116 مليار دولار في عام 2019.


خرسانة أقوى.. بإنتاج أسرع

بعدما تكللت نتائجنا المخبرية بالنجاح؛ قمنا باستخدام تقنياتنا على قوالب خرسانة مسبقة التصنيع.

كان الاختبار الأهم والذي يجب أن تجتازه الخرسانة المعالجة بالكربون هو قياس قوتها الميكانيكية، حيث كان معيار صناعتها هو 35 ميغا باسكال، وإذا فشلت مجموعة من الخرسانة في الوصول إلى هذا الرقم تحديدًا، فسيتم رفضها تمامًا.

النتائج كانت مذهلة، فتقنياتنا لم تتجاوز المعايير فحسب، بل فعلت ذلك في ربع الوقت المقدر لها، فقد استغرقت العملية ثلاثة أيام فقط بدلًا من ثمانية وعشرين يومًا.

والأهم من ذلك، أن الخرسانة المعالجة أكثر متانة من الخرسانة التقليدية، مما أدى إلى انخفاض نفاذية الماء مع مقاومة أكبر للكلور والكبريتات، والتي تعد لبنةً أساس للبناء في المناطق البحرية أو الأماكن ذات الرطوبة العالية.

بناءٌ للمستقبل

بعد النجاح الذي حققناه في احتجاز 20% من ثاني أكسيد الكربون في بيئة معملية، فإن الإمكانات التي تتمتع بها هذه التقنية هائلة، خاصةً بعد أن يتم استخدامها تجاريًا.

وبالتالي إذا تم تطبيق ابتكارنا في المعالجة بالكربون في قطاع الخرسانة عالميًا، فيمكننا إعادة تدوير ما يصل إلى 246 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا - أي ما يعادل إزالة الانبعاثات من 53 مليون سيارة.

أما هدفنا التالي فهو زيادة قدرة الخرسانة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى تقليل الوقت الذي تستغرقه معالجته، حيث نقتنص الفرصة لإعادة التفكير مرة أخرى في المصادر التي تنتج عنها مخلفات ثاني أكسيد الكربون.

ويبقى السؤال: ماذا لو استخدمنا ثاني أسيد الكربون المنبعث من عملية إنتاج الإسمنت نفسها؟ عندها فقط سنكون قادرين على تقليل التأثير البيئي لهذا القطاع ككل، من أجل مستقبلٍ أقل انبعاثًا وأكثر نقاءً.