الانتقال إلى المحتوى
Aramco
عناصر

فهم ما في باطن الأرض: جولة في مركز مختبرات عينات الصخور في أرامكو السعودية

مركز مختبرات عينات الصخور في أرامكو السعودية، الذي يضم عينات صخرية ومعلومات جيولوجية تراكمت على مدى عقود، يدعم قدرة الشركة على تحليل وفهم ما يكمن تحت سطح الأرض

مجلة عناصر|فايزة رحمان|

  • تُحلل العينات التي تجمع أثناء أعمال الحفر في مركز مختبرات عينات الصخور، لدعم قرارات التنقيب والحفر.
  • تتيح التقنيات المتقدمة وإجراءات العمل المنهجية تقييم الخصائص الرئيسة للصخور بصورة تجمع بين السرعة والدقة. 
  • يدعم أرشيف عينات الصخور الجوفية التي يعود تاريخ بعضها إلى عام 1936، الدراسات الجيولوجية طويلة الأجل.

بدأت رحلة أرامكو السعودية في أعمال التنقيب عن النفط عام 1933، عندما شرع جيولوجيو الشركة في دراسة التركيب الجيولوجي الفريد للمنطقة الشرقية من المملكة، وقراءة التكوينات والنتوءات الصخرية بوصفها شواهد على الموارد الكامنة في باطنها. وأثمرت تلك الدراسات المبكرة عن اكتشاف النفط بكميات تجارية في بئر الدمام رقم 7 عام 1938، ليبدأ فصل جديد من أعمال التنقيب في مختلف مناطق المملكة.

ومنذ ذلك الحين، تطورت أعمال التنقيب من دراسة الظواهر السطحية إلى أساليب متقدمة تعتمد على البيانات، وتجمع بين الخبرات الجيولوجية وتقنيات التصوير والنمذجة وغيرها من الأدوات لفهم باطن الأرض بصورة أدق. وفي قلب هذه الجهود يأتي مركز مختبرات عينات الصخور، وهو مرفق تُعالج فيه عينات الصخور الجوفية، التي هي مقاطع أسطوانية من الصخور تُستخرج أثناء عمليات الحفر، ثم تُحلل وتُفسر وتُحفظ. ومن خلال دراسة تركيب هذه العينات وخصائصها الفيزيائية والكيميائية، يوفر المركز بيانات تدعم قرارات التنقيب وخطط تطوير الحقول، كما يحافظ على أرشيف جيولوجي طويل الأجل يضم معلومات تراكمت عبر عقود من أعمال الحفر.

رحلة تطور مركز مختبرات عينات الصخور

واكب تطور مركز مختبرات عينات الصخور مسيرة أرامكو السعودية في أعمال التنقيب. ففي السنوات الأولى، كانت عينات الصخور الجوفية تُجمع أثناء الحفر وتُحفظ في مواقع متفرقة، مما حدّ من إمكانات تحليلها بصورة تفصيلية. ومع توسع أعمال التنقيب وتزايد تعقيدها، برزت الحاجة إلى نهج أكثر تنظيمًا وتكاملًا لإدارة هذه العينات.

واستجابةً لذلك، أُنشئ في عام 1981 مرفق مركزي لحفظ عينات الصخور الجوفية، يجمعها في موقع واحد ويتيح للمرة الأولى إجراء التحليلات المختبرية عليها. ورغم بداياته المتواضعة، شهد المرفق توسعًا تدريجيًا شمل إدخال تقنيات متقدمة، وتعزيز التكامل مع تخصصات علوم الأرض، وتوسيع دوره في دعم أعمال التنقيب، ليضع الأساس لمركز مختبرات عينات الصخور بصورته الحالية.

مركز مختبرات عينات الصخور في الظهران.

ومع مرور الوقت، واصل المركز تطوره، حتى شكّل افتتاح المرفق الجديد عام 2024 محطة مهمة في اكتمال منظومة العمل فيه. فبعد أن اقتصر دوره في البداية على حفظ عينات الصخور الجوفية، أصبح نطاق عمله يشمل فحصها وتحليلها وتفسير تركيبها وخصائصها باستخدام أدوات تحليلية متقدمة. ويؤدي المركز اليوم دورًا محوريًا في دعم أعمال التنقيب، من خلال توفير فهم أدق وأكثر تكاملًا لباطن الأرض.  واعتبارًا من عام 2026، يعمل أكثر من 150 موظفًا في المركز، حيث يضم فريقنا علماء وباحثين جيولوجيين ذوي خبرة، بالإضافة إلى فنيي مختبرات ومتخصصي صيانة وغيرهم من الخبراء. كما نتعاون مع مهندسين من مختلف أقسام التنقيب لتقييم بيانات المختبر وتحليلها.

كيف تدعم عينات الصخور الجوفية القرارات التشغيلية 

توفر البيانات الزلزالية تصورًا أوليًا لباطن الأرض، لكنها تعتمد على الإشارات وتفسيرها، ولا تقدم أدلة مباشرة. وهنا تسهم عينات الصخور الجوفية في الربط بين تفسيرات البيانات الزلزالية والحقائق الجيولوجية المستندة إلى أدلة ملموسة. وتُجمع هذه العينات خلال مرحلة الحفر الاستكشافي، لتقدم أول دليل مباشر على بنية المكمن، وتمكّن علماء الجيولوجيا من التحقق من صحة الافتراضات وتكوين فهم أدق لجيولوجيا المنطقة.

وتُنقل عينات الصخور الجوفية عادة إلى المركز خلال ساعات من استخراجها، لتبدأ فور وصولها إجراءات فحص منظمة. إذ تُنظف كل عينة، ويُحدد العمق الذي استُخرجت منه لضمان مطابقتها لبيانات الحفر، ثم تُوثق بالتصوير الفوتوغرافي عالي الدقة، قبل إخضاعها لاختبارات باستخدام أدوات متخصصة. ومن هذه الأدوات جهاز تسجيل أشعة جاما الطيفية للصخور الجوفية، الذي يقيس النشاط الإشعاعي الطبيعي للصخور، ويساعد الجيولوجيين على تحديد أنواعها ورسم خرائط التكوينات تحت سطح الأرض. وعند الحاجة، تُستخدم تقنيات أخرى، مثل التصوير بالأشعة السينية ثلاثية الأبعاد، والرنين المغناطيسي النووي عالي الدقة، وأنظمة تسجيل خصائص الصخور متعددة المستشعرات، لتوفير معلومات إضافية عن بنيتها الداخلية وتركيبها وتوزيع السوائل فيها.

تُستلم عينات الصخور الجوفية وتُجهز للتحليل.

وبعد ذلك تؤخذ عينات فرعية وتُخضع للتحليل لتحديد الخصائص الرئيسة للصخور. ومن أهم هذه الخصائص خاصية المسامية، التي تقيس حجم المسام أو المساحات داخل الصخر التي يمكن أن تشغلها المواد الهيدروكربونية، وخاصية النفاذية، التي تقيس قدرة السوائل على التدفق من خلال هذه المسام. وتُستخدم هذه الخصائص لتقييم جودة المكامن وما تحتوي عليه من موارد وما تملكه من إمكانات لتدفق هذه الموارد. 

 

وتُعدُّ هذه القياسات بالنسبة للشركة أساسًا لاتخاذ القرارات الاستراتيجية السريعة، فإذا استوفت قيم المسامية والنفاذية الحدود المطلوبة، عُدّ المكمن واعدًا واستمرت أعمال الحفر. أما إذا جاءت النتائج دون التوقعات، فقد تدعم قرارًا بتعديل خطة الحفر أو إيقافها. وبهذا، يقدم تحليل عينات الصخور الجوفية بيانات مباشرة تدعم قرارات الاستمرار في أعمال التنقيب أو التوقف عنها.

تُنظف عينات الصخور الجوفية وتُوثق باستخدام أدوات متقدمة.

ويؤدي عامل الوقت دورًا مهمًا في هذه العملية، إذ يمكن في كثير من الأحيان إنجاز التحليل الأولي خلال ساعات من وصول العينة، بما يتيح للفرق الاستجابة سريعًا أثناء أعمال الحفر، ويساعد على الاستفادة بكفاءة من وقت أجهزة الحفر. كما تسهم سرعة الحصول على النتائج في دعم اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وخفض التكاليف، والحد من المخاطر من خلال التعرف على التحديات المحتملة في مراحل مبكرة.

 

وتدعم بيانات عينات الصخور الجوفية أيضًا تفسير ظروف باطن الأرض. فعندما تظهر فروق بين بيانات المسوح الزلزالية والنتائج المستخلصة من الآبار، يوفر تحليل العينات معلومات إضافية تساعد على استكمال الصورة الجيولوجية وتوجيه الدراسات اللاحقة.

استخدام تقنيات متقدمة لفحص خصائص عينات الصخور الجوفية 

تدعم أعمال المركز مجموعة من التقنيات التي تسهم في رفع دقة وكفاءة تحليل عينات الصخور الجوفية.

وتُستخدم أدوات التصوير والقياس لتوثيق الخصائص الخارجية والداخلية لكل عينة. ومن بينها التصوير فائق الأطياف، الذي يرصد الفروق الدقيقة في انعكاس الضوء عن الصخور للمساعدة على تحديد تركيبها، إلى جانب التصوير الفوتوغرافي عالي الدقة، بما يوفر سجلًا بصريًا مفصلًا لكل عينة. كما يتيح التصوير المقطعي المحوسب، وغيره من التقنيات المماثلة، تحليل البنية الداخلية للصخور من دون إتلافها. وتوفر أدوات إضافية، مثل أجهزة تسجيل خصائص عينات الصخور متعددة المستشعرات وأنظمة تحليل المعادن، بيانات أخرى عن الخصائص الفيزيائية والكيميائية للصخور.

ويُستخدم نظام الرنين المغناطيسي النووي عالي الدقة لتحليل أنواع السوائل وتوزيعها داخل العينات، بما يضيف مزيدًا من التفاصيل إلى عملية التقييم. وتتكامل هذه التقنيات لتوفير فهم شامل لكل عينة ودعم تفسير خصائصها وتركيبها بدقة.

يسهم استخدام التقنيات المتقدمة في تحليل عينات الصخور الجوفية في الوصول إلى رؤى واكتشافات جديدة.

ويدمج المركز هذا الكم من البيانات في منصات رقمية تستخدمها فرق التنقيب وهندسة البترول والأبحاث. ويمكن تحميل المعلومات الناتجة عن تحليل العينات إلى برامج متخصصة في علوم الأرض وفيزياء الصخور، للاستفادة منها في بناء نماذج لباطن الأرض ودعم أعمال التفسير. كما يجري العمل على تطبيق تقنيات التعلم الآلي على هذه البيانات، بما يعزز سرعة التحليل واتساق نتائجه.

واستُخدمت الأتمتة أيضًا لتحسين سير العمل في المركز. ومن ذلك النظام الروبوتي لاسترجاع عينات الصخور الجوفية، الذي ينقل العينات بأمان وكفاءة من مناطق التخزين إلى مناطق الفحص. ويسهم النظام في تعزيز السلامة من خلال الحد من الحاجة إلى المناولة اليدوية للحاويات الثقيلة، إلى جانب تسهيل الوصول إلى العينات المحفوظة. 

"من خلال توظيف أحدث التقنيات والاستفادة من ثراء البيانات التاريخية المتوافرة لدينا، نصل إلى رؤى جديدة ونبني على ما تحقق من اكتشافات، بما يتيح لنا استخلاص قيمة جديدة بفضل الرقمنة والتقنيات الناشئة، والإسهام في دفع مسيرة التطور المستمر التي تشهدها هذه الصناعة".

النائب الأعلى للرئيس للتنقيب، الأستاذ سامر الأشقر

أرشيف مشترك للمعارف الجيولوجية

إلى جانب دوره في تحليل العينات، يمثل مركز مختبرات عينات الصخور أرشيفًا طويل الأجل للبيانات الجيولوجية، إذ يحفظ سجلًا متراكمًا لباطن الأرض في المملكة. ومنذ عام 1936، يجمع المركز عينات الصخور الجوفية وفتاتها الناتج عن أعمال الحفر في مختلف أنحاء المملكة ويحافظ عليها.

وتضم مرافق التخزين المخصصة في المركز، الممتدة على ستة طوابق وبمساحة تقارب 7000 متر مربع، أرشيفًا واسعًا من عينات الصخور الجوفية، يُقدَّر مجموع أطوالها بأكثر من مليون قدم. وتُحفظ كل عينة ضمن نظام رفوف منظم، وتُسجل في قاعدة بيانات رقمية تتيح تتبعها واسترجاعها بدقة. ويُمكّن ذلك علماء الأرض من العودة إلى العينات التي جُمعت سابقًا وإعادة تحليلها باستخدام أحدث التقنيات، وإجراء دراسات جديدة من دون الحاجة إلى أعمال حفر إضافية أو استخراج عينات جديدة.

يدعم التحليل التفصيلي فهمًا أدق لجيولوجيا باطن الأرض.

وقد صُمم المركز أيضًا بما يدعم التعاون بين التخصصات، إذ يمكن للجيولوجيين ومهندسي البترول والباحثين الاستفادة من مرافقه وطلب خدمات محددة وفق متطلبات بحثهم. كما تستوعب مناطق الفحص والمختبرات عدة مستخدمين، بما يسهّل تنسيق أعمال التحليل والتفسير.

ويمتد التعاون ليشمل جهات متعددة داخل الشركة، من بينها دائرة التنقيب، ودائرة هندسة البترول، ومركز الأبحاث المتقدمة للتنقيب والإنتاج، إلى جانب مراكز متخصصة خارج الشركة تُعنى بالحلول الرقمية والدراسات المتقدمة. ويسهم هذا التكامل في تبادل المعرفة وتحويل البيانات إلى نتائج عملية تدعم أعمال الشركة.

رسم ملامح مستقبل التنقيب

أسهم التوسع في استخدام التقنيات المتقدمة لتحليل الصخور في انتقال المركز من أرشيف تقليدي لعينات الصخور الجوفية إلى منصة رقمية للمعرفة الجيولوجية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما أتاح قدرات جديدة لم تكن متوافرة من قبل. وكان تفسير خصائص العينات وتكوينها يعتمد تاريخيًا على الملاحظات اليدوية والخبرات المتخصصة وبرامج محدودة لأخذ العينات. ورغم أهمية هذه الأساليب، فقد كانت مقيدة بعوامل الوقت، وإمكانات الوصول، وحجم المعلومات التي يمكن استخلاصها من الأعداد الكبيرة من العينات المحفوظة.

"تتيح لنا مرافق المركز المتقدمة وخبراته استخلاص قيمة أكبر من عينات الصخور الجوفية، وتعميق فهمنا لجيولوجيا باطن الأرض".

مدير إدارة الأعمال الجيولوجية، الأستاذ مناحي العتيبي

كما أتاح دمج التصوير متعدد المقاييس والذكاء الاصطناعي تطوير مكتبات رقمية للصخور ومخططات للمعرفة الجيولوجية، تربط بين عينات الصخور والصور والنتائج التحليلية والتفسيرات وبيانات الإنتاج. ويساعد ذلك الفرق على تحديد المناطق الأعلى جودة داخل المكامن بدقة أكبر، ووضع توقعات أكثر موثوقية لسلوك المكمن، والحد من أوجه عدم اليقين في قرارات التنقيب والتطوير.

ويؤدي مركز مختبرات عينات الصخور في أرامكو السعودية، بوصفه مركزًا للتحليل العلمي ومستودعًا للمعرفة الجيولوجية، دورًا رئيسًا في ربط ماضي الشركة بحاضرها ومستقبلها. ومن خلال خبرات موظفيه والتقنيات التي تدعم أعمالهم، يواصل المركز توسيع المعرفة بباطن الأرض، وتحويل عينات الصخور إلى بيانات قيّمة تعمق الفهم وتدعم اتخاذ القرارات على مستوى الشركة.

تواصل عينات الصخور الجوفية توفير معلومات جيولوجية قيّمة تدعم أعمال التنقيب.

~  ~  ~

نُشر هذا المقال لأغراض المعلومات العامة، ولا ينبغي للقراء ومستخدمي الموقع الاستناد على أي معلومات واردة في هذا المقال إلا على مسؤوليتهم الخاصة. علاوة على ذلك، لا تقدم أرامكو أي تعهدات أو ضمانات من أي نوع، صريحة أو ضمنية، حول اكتمال هذه المعلومات أو دقتها أو موثوقيتها أو ملاءمتها لأي غرض، كما تخلي أرامكو السعودية مسؤوليتها من أي التزام بتصحيح أو تحديث أو مراجعة أي بيانات أو آراء صريحة أو ضمنية في هذا المقال.