القيادات النسائية

مبتكرات وعالمات يرتقين بمعايير قطاع الطاقة


  • تركز جهود البحث والتطوير في أرامكو على الابتكارات التي تدعم حصول أجيال المستقبل على الطاقة الموثوقة
  • ساهمت كل من الدكتورة نادرة آل عواني، والدكتورة أماني مشارة، ومريم الطاهر في التوصل لابتكارات رفعت المعايير في مجالات اختصاصهم وقطاع الطاقة بشكل عام
  • بدءًا من اكتساب فهم جديد للمواد الهيدروكربونية، إلى تركيب أنواع وقود ذات كفاءة أعلى وانبعاثات كربونية أقل، تواصل المبتكرات في أرامكو فتح آفاق علمية جديدة

ماها محمد |

تركز أعمال البحث والتطوير التي تقوم بها أرامكو على ابتكارات تهدف للمساعدة في استمرار حصول أجيال المستقبل على إمدادات طاقة أكثر أمنًا واستدامةً. إذ تضم مراكزنا المنتشرة في جميع أنحاء العالم- ثلاثة منها موجودة في المملكة العربية السعودية- تطورات علمية وتقنية لها القدرة على مساعدتنا على تحقيق هذا الهدف. ولطالما لعبت المرأة منذ قديم الزمان دورًا رياديًا في مسيرة أرامكو نحو الابتكار، وعززت كفاءاتها وخبراتها سعينا لتحقيق التقدم في المجالات العلمية والتقنية والهندسية.

نستعرض هنا مسيرة ثلاث عالمات بارزات يعملن في مركز الأبحاث والتطوير في الظهران، وكيف أسهمت أعمالهن المبتكرة في مجال تحليل الوقود، والوسائط الكيميائية، والخصائص الكيمائية للبترول وعلم البترولوميكس في الارتقاء بمعايير أداء الوقود وكفاءته، وخفض الانبعاثات في مختلف أعمال الشركة بشكل خاص وقطاع النفط والغاز بشكل عام.


عملت الدكتورة نادرة آل عواني لمدة سبعة أعوام في أرامكو في مجال علم البترولوميكس، وهو علم تعرّفه الدكتورة نادرة بالقول: "(البترولوميكس) هو الذي نستطيع من خلاله فهم النفط في أدق مستوياته الجزيئية". وهو علم يُعتمد عليه في مجال البحث والتطوير التقني إلى حد كبير، لا سيما التقنيات التي تخلق القيمة من النفط الخام.

تستخدم الدكتورة آل عواني مطياف الكتلة، وهو أسلوب تحليلي يستخدم للحصول على الوزن الجزيئي للمركبات الموجودة في المواد، فالنفط الخام عبارة عن مركب معقّد، ومعرفة الأوزان الجزيئية يساعدنا في تحديد التركيبة والصيغة الجزيئية للعناصر- أي أنواع المواد الهيدروكربونية الموجودة في النفط، وهو أمر مفيد للغاية لتحديد خواص العينات البترولية- الأمر الذي يشكل محورًا أساسيًا في دعم العديد من التطبيقات، كالتنقيب عن النفط، وتطوير الوسائط الكيميائية، وتحسين العمليات.

وتقول الدكتورة آل عواني، المسؤولة عن الأعمال التحليلية في المشاريع التي تعمل عليها: "تعتبر دراسة النفط عند هذا المستوى فعالة للغاية عبر مراحل سلسلة القيمة، إذ تُسهم في حل المشكلات المتعلقة بضمان استمرارية التدفق، واختيار ومزج اللقيم، وإنتاج الوسائط الكيميائية، فهي تساعد باحثينا على تحسين منتجات أرامكو"

وتشير الدكتورة آل عواني، إلى أن المعلومات التفصيلية تحمل قيمة كبيرة جدًا للشركة لأن "المواد الهيدروكربونية طويلة السلسلة والمواد الهيدروكربونية العطرية (الأروماتية) هي التي تمنح النفط خصائصه - بغض النظر عما إذا كان خفيفًا أو ثقيلًا، حلوًا أو مرًا".


تخصصت الدكتورة آل عواني لأول مرة في استخدام مطياف الكتلة عالي الدقة، أثناء حصولها على درجة الدكتوراه في الكيمياء التحليلية في جامعة أكرون في الولايات المتحدة، وحازت على أربع براءات اختراع لقاء أعمالها في أرامكو: اثنتان منها تتعلقان بتحليل المنتجات الثانوية المصاحبة لتكرير النفط، وإيجاد طريقة لتحويل أحد هذه المنتجات إلى مذيب يمكن استخدامه لفصل المركبات العطرية (الأروماتية) في النفط الخام.

أما براءتا الاختراع الأخريان فتتعلقان بالعمل الذي قامت به الدكتور نادرة لفصل ما يسمى بـ "العناصر السيئة" التي تتسبب أحيانًا في تعطيل المحفزات الكيميائية التي تستخدم في عملية التكسير الهيدروجيني التي تحول الأجزاء الثقيلة من النفط إلى وقود مفيد كالبنزين.

أما العنصر الثقيل فهو ما يتبقى بعد تقطير النفط الخام وفصل العناصر الأخف كالبنزين والديزل بهدف الاستخدام. ويحتاج زيت الغاز الثقيل منخفض الجودة المتبقي، لمزيد من المعالجة من خلال عملية التكسير الهيدروجيني لتجزئته وتحسينه من خلال تحويله إلى ديزل وبنزين. يتيح مطياف الكتلة لعلماء أرامكو رؤية الكيفية التي تتفاعل بها العناصر الثقيلة المكونة من أنواع مختلفة من النفط، والتي تتكون بدورها من مركبات كيميائية مختلفة عند معالجتها أثناء عملية مثل التكسير الهيدروجيني.

تقول الدكتورة العواني: إن هذه التقنية "حاسمة" للحصول على أعلى قيمة من العنصر الثقيل.


منذ التحاق الدكتورة العواني بأرامكو، كان يتولى إرشادها في اهتماماتها البحثية مهنيًا متخصص في علم البترولوميكس. وفي العام الماضي عملت هي نفسها مرشدة مهنية لعالم شاب التحق بالمختبر وتعلم من خبرتها التي كونتها خلال فترة عملها في الشركة. ويعتبر هذا النوع من الدعم المهني والتبادل المعرفي عنصرًا أساسيًا للعمل البحثي والتطويري في أرامكو.

تقول الدكتورة العواني: "أضاف الإرشاد المهني بعدًا جديدًا لعملي. فمساعدة العلماء الشباب في تنمية مهاراتهم واتخاذ قرارات أفضل وتطوير مهنتهم أمر مميز بالنسبة لي،"



في عام 2019م، عمل فريق من علماء أرامكو بقيادة الدكتورة أماني مشارة على مشروع لتمكين الشركة من ضخ مزيد من النفط عبر خط أنابيب قائم، وذلك بتحليل وتقييم درجات جديدة من مادة كيميائية مضافة يمكن دمجها مع النفط الخام لزيادة معدل تدفقه. وسيسهم هذا العمل في تحديد ما إذا كانت هناك حاجة لبناء خط أنابيب جديد مكلف لتلبية الطلب المتزايد من العملاء.

أظهر التحليل أن ثمة مادة جديدة مضافة متوفرة في الأسواق ومُحسِنة للتدفق تسمح بانسياب المزيد من الوقود من خلال خط أنابيب قائم دون أن يتطلب الأمر استخدام مزيد من الطاقة أو الحاجة لإنشاء خط أنابيب جديد يكلف 500 مليون دولار.

"المادة المضافة التي عملنا عليها غير مألوفة لنا- فكان علينا اتخاذ قرار استنادًا إلى خبرتنا في تحليل الزيوت الخامة والوقود".

توضح د. مشارة التي عملت في أرامكو لمدة 14 عامًا وحصلت على درجة الدكتوراه في الكيمياء من جامعة مانشستر في المملكة المتحدة أن: "كل ما يتم إدخاله في أنواع الوقود في أرامكو يقوم فريقي بتقييمه أولًا". وتقول: "نحن نقرر ما يجعل المادة المضافة جيدة أم سيئة،"



يركز عمل د. مشارة على التحسين المستمر لأنواع الوقود في أرامكو فيما يخص الأداء، والاقتصاد في استهلاك الوقود، وتقليل الانبعاثات الكربونية. إذ قادت مجموعة متنوعة من البرامج البحثية في تقييم واعتماد المواد المضافة للوقود كجزءٍ من عمل أرامكو في مجال صنع أنواع من وقود النقل منخفض الانبعاثات الكربونية. ويشمل هذا إزالة الرصاص من البنزين، وتقليل مستوى الكبريت في الديزل والبنزين إلى الصفر تقريبًا للحدّ من آثاره البيئية والصحية الضارة.

كما عملت هي وفريقها أيضًا على برنامج آخر للتخزين الإستراتيجي طويل الأمد لأنواع الوقود منخفض الانبعاثات الكربونية للمساهمة في الحد من الانبعاثات الكربونية. ويهدف البرنامج إلى دعم تحوّل المملكة إلى أنواع الوقود منخفض الانبعاثات الكربونية، ودعم اقتصادها في استهلاك الوقود. كما تضمنت إسهامات د. مشارة دراسة أدت إلى وفورات كبيرة وتحسينات في البرنامج.


ثمة مشروع آخر تعمل عليه د. مشارة، وهو ابتكارٌ على درجة عالية من التطور يتعلق بالنفط الخام الحيوي، وهو نفط مستخلص من أنواع من الطحالب، تتم معالجته بعد ذلك كي يمكن تكريره بالطريقة ذاتها التي يكرر بها الوقود التقليدي. يهدف المشروع إلى دعم المملكة في تحولها إلى الطاقة منخفضة الانبعاثات الكربونية، عن طريق تزويدها بمصادر طاقة جديدة إضافية.


من المتوقع أن تعمل معظم السيارات في مختلف أنحاء العالم بمحركات الاحتراق الداخلي التقليدية حتى العقد القادم. ولهذا، أصبحت صناعة محركات أكثر كفاءة، والتوصل لوقود منخفض الانبعاثات الكربونية يمثلان أولوية قصوى عندما يتعلق الأمر بتقليل انبعاثات الكربون. في أرامكو، تعمل مريم الطاهر وفريقها مع شركات صناعة السيارات حول العالم في سبيل تحقيق هذين الهدفين.

لطالما كانت الطاهر شغوفة بالكيمياء، منذ المرحلة الثانوية، ولم يفارقها ذلك الشغف حتى بعد أن التحقت بأرامكو. قالت الطاهر: "أتذكر شرح معلمتي للتفاعلات الكيميائية العضوية وكيف يمكننا تغيير النتائج من خلال تبديل الكواشف بناء على ما لدينا من معرفة، كما لو كان ذلك بالأمس. وكم بدت لي جميلة، وقعت في حبها."

كانت الطاهر، التي عملت في أرامكو عالمة أبحاث متخصصة في كيمياء الوقود طوال ست سنوات، عنصرًا أساسيًا في اتفاقية بحث وتطوير أُبرمت مع شركة هوندا لصناعة السيارات منذ عام 2017م تركز على التوصّل لتركيبات وقود لمحركات الاشتعال بضغط البنزين، التي تتميز بالقدرة على خفض استهلاك الوقود وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 25 بالمائة.

ويهدف البحث إلى تقليل استهلاك الوقود وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من محركات الاحتراق الداخلي، وخفض مستويات الملوثات مثل أكاسيد النيتروجين وانبعاثات الدخان.


تقول الطاهر: "لدينا ثلاثة خيارات ممكنة لتصنيع نوع أفضل من البنزين لمحركات الاشتعال بضغط البنزين، الخيار الأول هو، أن نغير المعادلة الكيميائية للبنزين في المصفاة، والثاني، أن نطلب من باعة التجزئة القيام بهذه المعادلة الكيميائية الخاصة للبنزين، أما الثالث، فهو أن نضع جهازًا في المركبة التي سيحدث على متنها تفاعل الوسيط الكيميائي وبالتالي يتحول البنزين إلى أفضل نوع ملائم."

وتعمل أرامكو وهوندا على الخيار الثالث، حيث تقوم أرامكو بأبحاث عن تفاعل الوسيط الكيمائي داخل السيارة، وهي واحدة من الطرق العديدة لإعادة صياغة تركيبة الوقود، التي لا بد منها. تجري الاختبارات في مركز أبحاث أرامكو في ديترويت ومن المتوقع أن تكتمل الدراسة الاستكشافية في سبتمبر 2024م.


منحت الطاهر، الحاصلة على درجة الماجستير في العلوم الكيميائية من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في المملكة العربية السعودية، براءة اختراع لاستحداثها عملية مختلفة تسهم في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهي عملية استخلاص أكسيد الكبريت من عوادم المركبات الكبيرة والسفن على وجه الخصوص، ليتم بعد ذلك تخزين الانبعاثات أو تحويلها واستخدامها في الزراعة أو العمليات الصناعية. يتم امتصاص أكسيد الكبريت في وحدة خاصة على متن السفينة، ثم يمكن تفريغ هذا الأكسيد من تلك الوحدة أثناء إعادة تزويد السفينة بالوقود.


تشرح الطاهر الابتكار بالقول: "تغطي براءة الاختراع على العملية برمتها، فالعنصر الجديد والفريد هو استخلاص الانبعاثات ثم تفريغها في محطة وقود، أو استخدام تفاعل كيميائي لتحويلها إلى شيء مفيد".وتبرهن أعمال هؤلاء العالمات الثلاث الرائدات حرص أرامكو على الابتكارات من أجل اكتساب مفهوم جديد للمواد الهيدروكربونية وتحسين العمليات وصياغة تركيبات لأنواع وقود أفضل أداءً، مع خفض انبعاثات المحركات. تواصل النساء المبتكرات في أرامكو فتح آفاق علمية جديدة، بدءًا من فهم النفط الخام بأعمق مستوى جزيئي تفصيلي في تكوينه، إلى العمل مع شركات صناعة السيارات على إيجاد حلول عملية للتغلب على التحديات المتبقية التي تواجه طرح محركات بتقنية الاشتعال بضغط البنزين للأسواق.