موجز تاريخ حقل السفانية: أول خطوة لأرامكو السعودية في المناطق البحرية
عندما حفرت أرامكو السعودية في عام 1951 أول بئر استكشافية بحرية لها في منطقة السفانية، أرست الأساس لما يُعد الآن أكبر حقل نفطٍ في العالم.

- بعد سنوات من التقييمات الجيولوجية، وقع الاختيار على منطقة السفانية كأول موقع بحري تحفر فيه الشركة
- تواصلت أعمال تطوير الحقل على عدة مراحل، وبدأ الإنتاج في عام 1957 بعد إنجاز البنية التحتية البحرية اللازمة
- توسع حقل السفانية على مر السنين ليصبح أكبر حقل نفط بحري في العالم، وأساسًا لعقود من الأعمال البحرية في الخليج العربي
خلال الأربعينيات الميلادية، وبعد ما يقرب من عقد على اكتشاف النفط في المملكة المملكة العربية السعودية، كانت أرامكو السعودية قد رسّخت مكانتها كشركة رائدة في مجال التنقيب والإنتاج على اليابسة بفضل أعمالها في المنطقة الشرقية، حيث منحت هذه السنوات التي قضتها الشركة في الإنتاج وإجراء الدراسات الجيولوجية فرق التنقيب العائدة لها فهمًا أكثر تفصيلًا لجيولوجيا باطن الأرض في المملكة، وثقة متزايدة في التعرف على التكوينات الجيولوجية التي يُحتمل وجود المواد الهيدروكربونية فيها.
ففي تلك الفترة، أشارت التقييمات إلى أن التكوينات الجيولوجية الحاملة للنفط تمتد إلى مناطق مياه الخليج العربي، مما مهد الطريق للمرحلة التالية من أعمال التنقيب. وبناءً على هذه النتائج المحققة على اليابسة، وفي منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، بدأ ديك كير، الجيوفيزيائي في أرامكو آنذاك، دراسةَ المناطق المغمورة الواقعة قبالة الجزء الشمالي من ساحل الخليج العربي في المملكة، إذ حدد استنادًا إلى الخبرات المستمدة من أعمال المسح الجوي والزلزالي، تكوينًا جيولوجيًا بحريًا اعتقد أنه يتطلب مزيدًا من الدراسة.
وفي عام 1939، حدد كير موقع حقل السفانية عندما رسم، على إحدى الخرائط، سهمًا باللون الأحمر وكتب بجواره الملاحظة التالية: "منطقة بحرية ذات احتمالات مرتفعة". غير أن هذه الملاحظة أُدرجت في السجلات الجيولوجية للشركة للنظر فيها مستقبلًا ولم توضع بناءً عليها أي خطط تشغيلية فورية.
ملامح السفانية تتضح
وبحلول عام 1950، تزايدت الأدلة الجيولوجية التي تشير إلى أن منطقة السفانية موقع واعد لأعمال الحفر الاستكشافي البحرية، مما حدا بالشركة في ذلك العام إلى إقامة أول منصة حفر بحرية عائدة لها على بعد نحو 3 كيلومترات من الشاطئ ونحو 225 كيلومترًا شمال الظهران. وبلغ متوسط عمق المياه في تلك المنطقة نحو 22 مترًا، مما جعل أعمال الحفر البحرية ممكنة. إذ استُخدم، خلال مراحل التطوير المبكرة، نظام الحفر الذي يعتمد على المنصات الثابتة، فثُبتت ركائز فولاذية ثقيلة في قاع البحر لدعم كل منصة، ورُكِّبت أجهزة وأبراج حفر؛ على أنه قد جرى تفكيكها لاحقًا عندما اكتمل حفر الآبار، وهو إجراء يستغرق الكثير من الوقت وله تكلفة عالية.
ومع أن المياه الضحلة أسهمت في الحد من بعض التحديات التقنية، فإن العمل في المناطق البحرية فرض تحديات جديدة؛ إذ كان لا بد من نقل المعدات بحرًا، وتركيب المنصات في المواقع البحرية، كما تعيَّن على طواقم العمل التكيف مع مواقع العمل البحرية محدودة المساحة بحركتها التي لا تنقطع بدلًا من البيئات الصحراوية الثابتة. أضف إلى ذلك ضرورة التنسيق والتعاون الفعّال بين فرق الحفر وفرق المساندة البحرية بمرونة وسرعة كبيرتين استجابة لضرورات الأعمال المتغيّرة.
أول بئر بحرية
وفي خضم كل هذه التحديات، استمر التنقيب في المناطق المغمورة، استنادًا إلى البيانات الجيولوجية المستقاة من المسوحات التي أُجريَت على اليابسة وفي المناطق الساحلية، وذلك جنبًا إلى جنب مع وضع خطط أعمال الحفر البحرية في منطقة السفانية بعناية شديدة باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لأعمال التنقيب على اليابسة، وتمثل الهدف في معرفة ما إذا كان من الممكن تنفيذ أعمال الحفر بكفاءة وموثوقية في مناطق المياه المغمورة باستخدام المعدات والإمكانات اللوجستية المتاحة في ذلك الحين.
وبعد أكثر من 200 يوم من الحفر، أُنجزت بئر استكشافية بحرية هي بئر السفانية رقم 1 في 15 أغسطس 1951، ليتدفق النفط الخام وصولًا إلى الصندل الرأسي على بُعد بضع مئات الأمتار من المنصة، حيث لم تكن البنية التحتية لخطوط الأنابيب البحرية قد أُقيمت بعد.
وأكدت هذه البئر الاستكشافية وجود المواد الهيدروكربونية تحت مياه الخليج، مبرهنةً على إمكانية إدارة أعمال الحفر البحرية بأمان وفاعلية، لتُعمّق هذه النتيجة فهم الشركة للأعمال البحرية في تلك المرحلة المبكرة.

أعمال الحفر في السفانية خلال الخمسينيات الميلادية.
من التحقق إلى التطوير المستمر
بالرغم من تحسن الفهم الجيولوجي لهذه المنطقة وحفر العديد من الآبار، خلال أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، فإن الإنتاج لم يبدأ بعد ذلك فورًا، وإنما أُعطيت الأولوية لأعمال الآبار التقييمية فيما كان إنشاء المرافق البحرية لدعم الأعمال على المدى البعيد جاريًا على قدم وساق. وتضمنت مرحلة التقييم حفر آبار إضافية بعد اكتشاف المواد الهيدروكربونية لتحديد حجم المكمن وجودته وجدواه الاقتصادية، وهي أعمال تسد الفجوة بين الاستكشاف (العثور على النفط) والتطوير (إنتاج النفط)، وتهدف إلى معرفة حدود الحقل المُكتشف وحجمه وخصائص التدفق فيه من أجل تقليل مخاطر الاستثمار. وقد حُفِر خلال الفترة بين عامي 1951-1954 ما مجموعه 17 بئرًا تقييمية كجزء من مرحلة التقييم.
ووُضعت في عام 1954 اللمسات الأخيرة على خطط إنشاء المرافق لبدء الإنتاج من حقل السفانية، وحُدِّد عام 1957 تاريخًا مستهدفًا للبدء والتشغيل. وبالفعل، تدفق الإنتاج من حقل السفانية في منتصف أبريل 1957، وهو ما اتفق مع الجدول الزمني المقرّر، بإنتاج أولي بلغ نحو 50,000 برميل في اليوم الواحد، وذلك عبر 18 بئرًا.
ومع تواصل الأعمال، أدى تراكم الخبرات إلى تحسين إجراءات العمل، وطورت فِرَق العمل البحرية في تلك المرحلة المبكرة أساليب عملية للتعامل مع المهام اليومية، وتعزيز السلامة في الأعمال، وتنسيق الجهود في بيئة العمل البحرية.
وجرى توثيق الدروس المستفادة في حقل السفانية ووضعها موضع التطبيق مع تواصل التوسع في الأعمال في المناطق البحرية.
بناء القدرات البحرية
في أوائل الستينيات، وعلى الرغم من تراجع وتيرة التطوير في حقل السفانية مقارنة بالسنوات السابقة، فقد شهدت تلك الفترة اكتشافات بحرية مهمة في مياه الخليج العربي، ما منح الشركة الخبرات الكافية لتعزيز جهودها الاستكشافية في جميع أنحاء المنطقة خلال هذه الفترة.
وفي عام 1963، اكتشفت الشركة حقل أبو سعفة البحري، وفي العام التالي، أكدت أعمال التنقيب وجود حقل البري، الذي يمتد جزء منه تحت مياه الخليج، وتبع ذلك اكتشافات أخرى في مناطق بحرية، بما في ذلك حقل الظلوف في عام 1965 وحقلا المرجان وكران في عام 1967.
ومع زيادة الإنتاج من المناطق البحرية خلال فترة الستينيات، تطورت أنظمة الدعم جنبًا إلى جنب مع مرافق الحفر، وأصبحت هناك حاجة لإدارة كميات أكبر من النفط والغاز المصاحب، وتطلب ذلك فصل النفط عن الغاز المصاحب في منطقة أقرب إلى الحقل، أي ما يُعرف بفرز الغاز من الزيت، وهي عملية رئيسة في مجال التنقيب والإنتاج يتم من خلالها فرز المزيج الخام المستخرج من البئر إلى ثلاثة مكونات رئيسة، هي: الغاز الطبيعي والنفط الخام والماء. وأدت هذه الحاجة في نهاية المطاف إلى إقامة أول معمل بحري لفرز الغاز من الزيت في عام 1969، وهو الأمر الذي وثقته مجلة "أرامكو وورلد". وأتاح هذا المعمل الجديد، الذي بُنِيَ على ثلاث منصات، الاستمرار في الإنتاج عن طريق فصل النفط عن الغاز في منطقة قريبة من الآبار. ثم جرى بعد ذلك تحديث هذا المعمل وتزويده بالكهرباء عن طريق كابل بحري بطول 42 كليومترًا وجهد 34.5 كيلوفولت.

المنصات البحرية الموجودة في السفانية خير شاهد على عقود من التزام أرامكو السعودية بالنمو والابتكار والتميز التشغيلي.
حقل السفانية قيد التشغيل
بحلول منتصف الستينيات، بلغ حقل السفانية مرحلة النضج كأصل من أصول المناطق البحرية، حيث زادت طاقته الإنتاجية في عام 1965 وحده بمقدار 150 ألف برميل في اليوم، لتصل إلى أكثر من 600 ألف برميل في اليوم، مما أسهم في تسجيل أعلى إنتاج لحقل مفرد آنذاك.
وخلال العقود التالية، استمرت أعمال التطوير في حقل السفانية من خلال تركيب معملين بحريين إضافيين لفرز الغاز من الزيت، وإدخال توسعات في المرافق المرتبطة بذلك الحقل على اليابسة، وتحديث الأنظمة باستخدام تقنيات جديدة لتعزيز الكفاءة التشغيلية للحقل.
والآن، بعد سبعين عامًا، يضم حقل السفانية أربعة معامل بحرية لفرز الغاز من الزيت ومرفق معالجة مركزي رئيس على اليابسة، وتدعم ذلك كله شبكة معقدة من خطوط الأنابيب الممتدة تحت سطح البحر تزيد أطوالها عن 750 كيلومترًا، وتربط مجموعة من منصات الإنتاج التي تشكل العمود الفقري للحقل.
رحلة تشغيلية طويلة
لعل أفضل طريقة للنظر في تاريخ حقل السفانية هو اعتباره رحلة تشغيلية طويلة بدلًا من التركيز على لحظة أو أخرى من اللحظات الحاسمة في تاريخه. فمنذ تسجيل تلك الملاحظات الجيولوجية المبكرة في ثلاثينيات القرن العشرين وحتى إنجاز أول بئر بحرية في عام 1951، حيث مثّلَ التقييم الدقيق، والتخطيط، والعمل الدؤوب لموظفي أرامكو السعودية، من أجل تطبيق وتنفيذ كل تلك المخططات، العواملَ التي أسست لما يُعد أكبر حقل بحري للنفط في العالم.
هكذا، تبرهن قصة نجاح حقل السفانية على ما تشهده القدرات البحرية للشركة من تقدم مستمر، إذ هذا هو الأساس الذي بُني عليه تطوير أكبر حقل نفط بحري في العالم والحفاظ عليه على مدى أجيال. فبعد مرور أكثر من سبعة عقود على اكتشافه، لا يزال حقل السفانية يربط بين جهود الشركة الأولى في الأعمال البحرية والأعمال الجارية حاليًا في مياه الخليج العربي، مما يعكس الاستمرارية التي تُعدُّ من السمات الأهم لأعمال الشركة في المناطق البحرية.
"محور رحلتنا في العمل في المناطق البحرية هو التغلب على التحديات وفتح آفاق جديدة، فكل إنجاز تحقق في حقل السفانية هو دليل على تفاني وخبرة موظفينا، الذين جعلت جهودهم هذا الحقل نموذجًا يُحتذى به في أعمال التطوير في المناطق البحرية".
الأستاذ خالد الجهيران - النائب الأعلى للرئيس لأعمال الغاز في منطقة الأعمال الشمالية
"يمثل نجاح حقل السفانية دليلًا على التزام أرامكو السعودية بالابتكار والمرونة والعمل الجماعي، ولا تزال هذه الأعمال الأولى الرائدة في المناطق البحرية تمثل مصدر إلهام للأجيال الجديدة في جميع إدارات أرامكو السعودية وأقسامها".
الأستاذ فهد العبدالكريم - النائب التنفيذي للرئيس للإنتاج
المزيد من مجلة عناصر
نُشر هذا المقال لأغراض المعلومات العامة، ولا ينبغي للقراء ومستخدمي الموقع الاستناد على أي معلومات واردة في هذا المقال إلا على مسؤوليتهم الخاصة. علاوة على ذلك، لا تقدم أرامكو أي تعهدات أو ضمانات من أي نوع، صريحة أو ضمنية، حول اكتمال هذه المعلومات أو دقتها أو موثوقيتها أو ملاءمتها لأي غرض، كما تخلي أرامكو السعودية مسؤوليتها من أي التزام بتصحيح أو تحديث أو مراجعة أي بيانات أو آراء صريحة أو ضمنية في هذا المقال.




