الانتقال إلى المحتوى
Aramco

كلمة المهندس أمين بن حسن الناصر في منتدى إنيرجي إنتليجنس 2026

أمين حسن الناصر - الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين

أمين حسن الناصر، الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين

الكلمات|لندن، المملكة المتحدة|

شكرًا أليكس،

السيدات والسادة صباح الخير.

شهدت على مدار العقود الخمسة الماضية، كثير من الأمور التي بدت وكأنها مستحيلة، حتى تحققت بالفعل.

أتذكر عام 2008، عندما هبطت أسعار النفط بنسبة تقارب 80 % أثناء الأزمة المالية العالمية. ولا أنسى أبدًا عام 2019، عندما دق هاتفي قبل شروق الشمس لإبلاغي بتعرض منشآتنا في بقيق وخريص لهجمات تخريبية.

وهل ينسى أحد عام 2020، عندما دخل العالم في إغلاق شامل بسبب جائحة كوفيد-19.

أما هذا العام والذي أوشك على نهايته، فكانت أحداثه مختلفة تمامًا، وبمستوى جديد من الصعوبة والتحدي.

ولطالما كان العالم على دراية بإمكانية حدوث اضطرابات أو تعطل في مضيق هرمز. إلا أن أحدًا لم يتوقع إغلاقًا شبه كامل لشريان الطاقة الأهم في العالم ولفترة طويلة، وأن تمتد آثاره على نطاق واسع، وهو ما تسبب في أكثر صدمات إمدادات الطاقة خطورة خلال مسيرتي المهنية. 

لقد كشف هذا الوضع المتأزم، ذلك الترابط العميق بين أمن الطاقة، والأمن الاقتصادي، والأحداث الجيوسياسية. وعلى الرغم من أنه من السابق لأوانه التكهن بالعواقب الكاملة لهذا الوضع المعقد، إلا أنه من المؤكد أننا نشهد حاليًا أوقاتًا استثنائية غير طبيعية.

لقد أدرك العالم أن النفط والغاز ليسا مجرد سلع قابلة للتداول.

إنهما الشريان الحيوي للحضارة الحديثة. حيث يمتد تأثيرهما ليشمل الأسمدة التي تساعد في توفير غذائنا، والأدوية التي نتعافى بها، إلى الملابس التي نرتديها، والمواد التي تبني مدننا، والهواتف التي تربطنا ببعضنا.

اليوم، تُستخدم البتروكيميائيات في إنتاج أكثر من 9 من كل 10 منتجات مصنعة.

وستلعب الطاقة المتجددة دورًا مهمًا عندما تُنتج بطريقة تنافسية.

ولكن النفط والغاز  في صميم الاقتصاد العالمي، بما يتجاوز أسواق الطاقة.

لقد تأثر الشحن البحري بشدة، وارتبكت سلاسل الإمداد، وشعر الناس بالقلق بشأن التضخم وتوفر السلع الأساسية.

وفي ظل نقص الألومنيوم، والكبريت، والهيليوم، والبتروكيميائيات، فإن الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والسيارات الكهربائية، هي الأخرى، ليست بعيدة عن هذه التأثيرات الكبيرة. 

فكل شيء متصل ببعضه.

حتى أسواق السندات تعاني من ضغوط النفط.

لقد خففت الاحتياطيات الحالية من حدة الصدمة، ووفرت لنا بعض الوقت، لكنها تظل موارد محدودة.

ورغم الضغوط الحادة على النفط الخام، إلا أن أسعار الوقود المكرر ارتفعت بشكل أكبر وأكثر حدة.

صحيح أنه يمكن للمخزونات الطارئة أن تنقذنا في شتاء عاصف.

لكنها لا تستطيع معالجة مشكلة نقص الإمدادات على المدى الطويل.

حتى لو أعيد فتح مضيق هرمز بشكل كامل ، فإن الواقع بالنسبة للنفط الخام يشير إلى أن الضغط سيتصاعد عند طرفي سلاسل الإمداد.

وإلى أن يتحقق ذلك، يمكن أن يستغرق الأمر قرابة العامين لتعويض المخزونات بالكامل، مع تلبية الطلب المستمر بالتوازي.

والسؤال الأهم الذي نواجهه الآن هو: كيف نوصل موارد الطاقة المناسبة، إلى الوجهة المناسبة، وبالطريقة المناسبة، وفي الوقت المناسب.

لأن أمن الطاقة أمر بالغ الأهمية للأمن الاقتصادي.

دخل العالم هذه الأزمة بنحو 10 مليارات برميل من مخزونات النفط العالمية مجتمعة. وفقد ما يقرب من 3 مليارات برميل من إجمالي إمدادات النفط الخام منذ بداية الأزمة.

وهذا ما يعادل تقريبًا نصف النفط الخام والمنتجات التي كانت ستنتقل عبر مضيق هرمز خلال الفترة نفسها.

لقد تم التخفيف من حدة هذا الوضع بفضل خروج أكثر من مليار برميل من هذه المخزونات.

غير أن معظم ذلك جاء من المخزونات التجارية البرية، وهي الأداة الأخيرة المتبقية. 

وتشير التقديرات إلى أن أقل من ستة مليارات برميل من المخزونات التجارية لا تزال متاحة اليوم، مع عدم إمكانية الوصول إلى الغالبية العظمى منها عمليًا.

لذا فإن النظام يعاني بالفعل من ضغوط. ومع ندرة الخيارات الأخرى التي يمكن للعالم اللجوء إليها، فإن الهامش الذي توفره مرونة الإمدادات أضيق بكثير مما يُعتقد على نطاق واسع.

وعلاوة على ذلك، يجب أن تكون الإمدادات في متناول الجميع من حيث التكلفة.

لقد وضع صندوق النقد الدولي نموذجًا لسيناريو شديد القسوة ينخفض فيه النمو الاقتصادي العالمي إلى نحو 2٪ فقط خلال العامين القادمين، في حين يرتفع التضخم إلى ما يقرب من 6٪.

ومع استمرار هذا الخلل، تزداد المخاطر.

وعندما تصبح الطاقة شحيحة أو باهظة الثمن أو غير متاحة للجميع، فإن الأكثر عرضة للمعاناة سيتأثرون بشدة، وسيتأثرون أولاً.

وفي الواقع، تذكرنا هذه الأزمة بأنه لا يوجد مصدر للطاقة أو مسار أو نظام يخلو من المخاطر.

لقد رفعت هذه الأزمة سقف المخاطر الأساسي. 

ويجب أن يقابل هذا الارتفاع في المخاطر مستوى أعمق من الجاهزية التشغيلية والمرونة، وبحيث يُبنى عبر طبقات متعددة.

وفي أرامكو السعودية، فإن المرونة تمثّل لعبة تركيب الصور الكبيرة والمعقدة، وليست مجرد أصل أو قدرة واحدة بعينها.

لقد أثبتت مرافق التخزين الاستراتيجية لدينا أهميتها الحيوية على مستوى العالم.

إلى جانب طاقتنا الاحتياطية ، وتعدد أنواع النفط الخام، ومرافق تخزين الغاز المحلية، وأسطول ناقلات شركة (البحري)، وأحد أقوى المراكز المالية في القطاع، كلها عوامل تضيف أبعادًا ومزايا إضافية.

كما تسهم سلاسل الإمداد المحلية، التي وفرت أكثر من 90% من المواد المستخدمة في أعمال استعادة الأصول واستئناف العمليات التشغيلية في مرافقنا المتضررة، في تعزيز ذلك.

إن المرونة هي أساس استجابتنا للطوارئ، وتسترشد بـ "معايير أرامكو"، التي تتجاوز في العديد من المجالات متطلبات القطاع.

وهذا يعني فصل مرافقنا الحيوية، وبناء وتجهيز معدات احتياطية، والتخطيط للصيانة، والتميز في الاستجابة للحالات الطارئة، ومكافحة الحرائق، والتقييم السريع للضرر، واستعادة البنية التحتية المتضررة بسرعة.

ولأن الإنسان أولًا؛ نضع موظفينا الأكفاء في صميم مرونتنا، مع استثمارات طويلة الأمد تواكب ذلك.

وبشكل فردي، لا تحدد أي من هذه التدابير المرونة بمفردها. 

ولكن مجتمعة يمكنها أن تعرّف مرونتنا. 

وبطبيعة الحال، لا ينبغي أن تبدو كل الأنظمة نسخة من أرامكو.

فكل نظام يحتاج إلى قدر أعمق من المرونة.

ولا يجب أن نغفل حقيقة أن نصف احتياطيات النفط المؤكدة في العالم تقع في الشرق الأوسط، إلى جانب معظم طاقته  التخزينية.

وعلى الرغم من التحديات، فإن هذه الموارد موجودة في أماكنها.

وإذا كان بمقدور الأسواق تنويع الموردين.

إلا إنها لا تستطيع تنويع التقنية.

ويمكن للعالم تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق.

ولكن الأهمية الاستراتيجية لمنطقتنا آخذة في النمو، مع نضج قواعد الموارد الأخرى، ووجود صعوبات محتملة في العثور على قواعد جديدة وجعلها أكثر تنافسية من الناحية الاقتصادية.

ولهذا أقول إن طرق التصدير المتعددة، التي يمكن تعديلها في الوقت الفعلي، تقلل بالفعل من خطر أن تتسبب نقطة اختناق واحدة في شل النظام.

وفي أرامكو السعودية، ندرس مسارات إضافية لتصدير النفط الخام، بينما نستكشف مزيدًا من خيارات التخزين في الخارج للمساعدة في تغطية الانقطاعات قصيرة الأمد.

باختصار، تظل إمدادات النفط والغاز في الشرق الأوسط محورية في أي استراتيجية مرنة للطاقة العالمية... بما في ذلك هنا في أوروبا.

لقد شهدت الجيولوجيا والجغرافيا على ذلك، وأثبتته.

بالنسبة للعالم أجمع، وأوروبا على وجه الخصوص، تُمثل هذه فرصة ملحة لإعادة تقييم سياسات النفط لضمان بقائها متوافقة مع الهدف الاستراتيجي المتمثل في ضمان أمن الطاقة على المدى الطويل.

وذلك لأن أمن الطاقة والمرونة يشكلان مسؤولية مشتركة بين المنتجين والمستهلكين.

في النهاية، مرونتهم هي مرونتنا... ومرونتنا هي مرونتهم.

وهذه الأزمة أكثر بكثير من مجرد صدمة في إمدادات الطاقة في مضيق هرمز.

لقد تضخمت بسبب هجمات واسعة النطاق على اليابسة، بما في ذلك منشآت أرامكو، والتطورات في خليج عمان، والبحر الأحمر، ومضيق باب المندب.

وعلى الرغم من أن المملكة قادرة وواثقة، وأن أنظمتها تواجه الوضع، إلا أن المسؤولية مشتركة، فلا ينبغي لأي دولة أن تواجه هذا التحدي وحدها.

وعلى المجتمع الدولي أن يتكاتف لحماية التدفق الحر للطاقة والسلع.

لأن لكل هجوم  كلفة عالمية باهظة يتحملها أمن الطاقة، تزيد الاضطراب في السوق، وتعرض الأرواح وسبل العيش للخطر.

ولهذا السبب، لا تُعد البنية التحتية للنفط والغاز مجرد تكلفة يجب تقليلها أو تجنّبها، بل هي ضرورة جماعية للمنتجين والمستهلكين على حد سواء.

يجب أن نتبادل الدروس وننسق الاستراتيجيات لتوقع الاضطرابات، وامتصاص الصدمات، والتكيّف معًا بشكل أسرع.

يمكننا التعاون في مجالات الاستجابة للطوارئ؛ تخطيط الإمدادات بشكل أفضل؛ ومرونة المصافي والبتروكيميائيات؛ وإنشاء مخزونات مشتركة؛ وبناء علاقات طويلة الأمد.

كما أن تعزيز القوى المالية، وسلاسل الإمداد، والأمن السيبراني أمر لا غنى عنه.

وكما تقدم التقنية فوائد هائلة، إلا إنها تشكل أيضًا مخاطر جسيمة.

فقد يساء استخدام البيانات المفتوحة، مثل الصور الجوية بالأقمار الصناعية وسجلات الشحن الخاصة بالسفن، بشكل متزايد لاستهداف البنية التحتية وناقلات النفط.

وهنا أقول بكل حسم: يجب ألا تتحول أدوات الشفافية إلى أسلحة لاستهدافنا.

ومع تغيّر المخاطر الأساسية، يجب أن تتغير أيضًا عقلية الاستثمار لدينا.

لننهي عصر نقص الاستثمار عبر مختلف الدورات الاقتصادية، ولنتوجه نحو الاستثمار في مصادر الطاقة والأنظمة التي لا يزال العالم بحاجة إليها.

لنبدأ في التفكير في أمن الطاقة من منظور العقود، لا الأرباع السنوية

ولنُقدّر القيمة الاقتصادية للمرونة في نهاية المطاف.

المرونة والنمو ليسا أولويتين متنافستين.

الاستثمار المنضبط عبر مختلف الدورات الاقتصادية يعزز كليهما.

لذا، ينبغي أن تكون المرونة عنصراً أساسياً في تقييم أداء الشركات، إلى جانب الأرباح وعوائد المساهمين ومعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG).

وفي أوقات الشدة وتزايد الضغوط والتحديات، تحمي المرونة الأسس التي تعتمد عليها جميع هذه العناصر.

أيها السيدات والسادة،

لقد كشفت هذه الأزمة أخيرًا عن خيار وهمي خاطئ بين أمن الطاقة، والتكلفة المعقولة، والاستدامة.

إنها أولويات غير قابلة للفصل، ويجب بناء نظام الطاقة المستقبلي على هذه الأسس الثلاثة مجتمعة.

حتى في هذه الأوقات غير العادية، يظل النفط والغاز في الشرق الأوسط محوريين أساسيين في نظام الطاقة المستقبلي لعقود قادمة.

لذلك، فإن تعزيز مرونة هذه الإمدادات الحيوية أصبح ضرورة استراتيجية عالمية.

وهذا لا يعني النظر إلى الوراء؛ بل يعني التخطيط للمستقبل.

فمرونة أرامكو لم تُبنَ بين عشية وضحاها.

بل كانت حاضرة حين احتجنا إليها، لأن الأجيال السابقة امتلكت الرؤية الكافية لبنائها وصيانتها وتقويتها.

والآن حان دور جيلنا أن يتخذ القرارات التي قد تعتمد عليها الأجيال القادمة يومًا ما.

ولا نملك رفاهية الوقت للتفريط في ذلك.

شكرًا لكم.

الاستفسارات الإعلامية

جميع استفسارات وسائل الإعلام يتم التعامل معها من قبل إدارة التواصل والتنسيق الإعلامي في أرامكو. الظهران - المملكة العربية السعودية.

لجميع الاستفسارات الإعلامية، يرجى الضغط هنا.

أحدث الكلمات

عرض جميع الكلمات