الانتقال إلى المحتوى
Aramco
مقالات

شبكة الغاز الرئيسة — نُمد الأمة بالوقود

تمثل شبكة الغاز الرئيسة أحد أكبر مشاريع الطاقة في تاريخ أرامكو، فهي التي مهدت الطريق للإسهام في تحويل مزيج الطاقة الوطني إلى وقود منخفض الكربون.

منظر لأفق مدينة الرياض ليلًا - المملكة العربية السعودية
مجلة عناصر|رابيكا والاس|

  • تُمكن شبكة الغاز الرئيسة أرامكو من تحقيق قيمة من مجموعة مكامن الغاز الموجودة لديها، بتوصيلها إلى المستهلكين لتوليد طاقة ذات انبعاثات كربونية أكثر انخفاضًا، وتطوير قطاع الكيمائيات في المملكة العربية السعودية.

  • تمتلك المملكة واحد من أكبر أسواق الغاز في العالم.

  • اعتبارًا من 2019، انخفض معدل حرق الغاز في الشعلات لدى أرامكو إلى أقل من 1% وهدفنا هو التوقف التام عن الحرق الروتيني للغاز في الشعلات بحلول عام 2030م.

في السبعينيات من القرن الماضي، قامت نهضة كبيرة في قطاع النفط والغاز انشغلت بها المنطقة الشرقية في المملكة، من صحراء الربع الخالي المقفرة إلى مياه خليج منيفة الضحلة. ولطالما كانت حقول أرامكو تُمد الشعوب والعالم بالنفط، وحافزًا للنمو الاقتصادي، فيما كانت تلف الأفق غشاوة ساكنة من نور يتلألأ، ومداخن تتسلق عنان السماء في مشهد يصفه أحد موظفي الشركة بقوله "كان مشهدا كأنه من أسطورة يونانية بألسنة حرائقه الأبدية التي لا تنطفئ ليلًا ونهارًا".

ولكن أرامكو قررت أن تروي أسطورة "بروميثيو" اليونانية برواية عصرية حديثة، فكان عليها أن تطفئ الغالبية العظمى من هذه النيران مستعينة بشبكتها الغازية الرئيسة لتسخر هذا المورد العملاق في تغيير وجه الشركة وتغيير مستقبل البلاد.

صورة للسماء ليلًا تُظهر مدخنة الشعلة تعلو أحد آبار الزيت

إنارة السماء

مدخنة حرق الغاز...الرمز التقليدي لقطاع النفط والغاز. فأثناء عملية إنتاج النفط، يتم إنتاج الغاز المصاحب من المكمن إلى جانب النفط. وكان استغلال هذا الغاز فيما سبق يعتبر غير مُجد اقتصاديًا، لذا كان يجري حرقه عبر الإشعال.

إلا أن شبكة الغاز الرئيسة غيرت الأمر، إذ عملت على استخلاص الغاز واستخدامه موردًا للطاقة، إذ قدمت حلًا بديلًا للنفط الذي كان يستخدم لتوليد الطاقة محليًا، بل وقلل كذلك من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة من مداخن الشعلات. ومع اكتشاف حقول جديدة للغاز غير المصاحب والغاز غير التقليدي، سيدخل إنتاج جميع هذه الحقول جميعها في رافد مشترك لإنتاج غاز البيع في شبكة الغاز الرئيسة لتسليمه للعملاء.

فترة الطفرة في السعودية

شهدت فترة السبعينيات من القرن الماضي نموا اقتصاديًا ضخمًا في المملكة العربية السعودية. كانت الصناعات الناشئة مثل البتروكيمائيات تحتاج إلى لقيم تنافسي، وكانت الحكومة السعودية حريصة على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد المكلف على النفط كمصدر محلي للطاقة،

لذا فقد كان الحل الأسهل هو الاستفادة من الغاز المصاحب الذي جرت العادة أن يتم حرقه وإهداره، واستخدامه بدلًا من ذلك لأغراض التصنيع كوقود أنظف بتكلفة أقل.

وهكذا قامت أرامكو عام 1975، بتصميم وتطوير وتشغيل نظام لتجميع الغاز ومعالجته ونقله، ليجمع الغاز من حقول أرامكو السعودية المنتجة لتلبية احتياجات المملكة من الوقود واللقيم.

مشروع هندسي طموح

قررت الشركة تنفيذ شبكة الغاز الرئيسة لتصبح أحد أكثر المشاريع الهندسية طموحًا في المنطقة في ذلك الوقت لم يكن قد سبق لأرامكو السعودية إقامة مشروع بهذا الحجم وبهذه التكلفة، فقد كان يتطلب معدات وحواسيب وطرق إنشاء متطورة وتقنيات حديثة. كان حجم المشروع مهولًا، إذ شمل معملي الغاز في شدقم والعثمانية وكان كل منهما يشغل مساحة 121 هكتارًا (أي ما يماثل مساحة 160 ملعب كرة قدم تقريبًا)، واستخدمت فيه مجموعة من أكبر معدات معالجة الغاز المتوفرة.

وقد غطت مجلة "أرابيان صن" التابعة لأرامكو في ذلك الوقت جزءًا من الصخب الإعلامي: "كانت ساحة التخزين في العثمانية ترزح تحت وطأة جبال من المواد فيما كان آلاف من الرجال يقومون بسحب الكابلات، ومد الإسفلت، وقيادة الرافعات، ومنهم من يحمل المطارق الهوائية، ومنهم من يركب ومن يُلحم ومن يعزل الأعداد اللامتناهية من الأنابيب التي كان قُطر بعضها لا يزيد عن قطر عملة معدنية من فئة الخمس هللات وبعضها بعرض سيارة لاند روفر". وفي موقع العمل، أحصت مجلة "أرابيان صن" الكميات المهولة من الطعام والشراب التي استهلكها العمال، وقد شملت 48,000 كوبًا من الشاي أسبوعيًا.

شبكة الغاز الرئيسة تنهض من بين رمال الصحراء

كان معمل الغاز في البري أولى المحطات الفارقة، فقد افتتحه الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود [رحمه الله] في عام 1977، واستخلص بمجرد تشغيله بشكل كامل حوالي 800 ألف برميل يوميًا من سوائل الغاز الطبيعي - وكان إنتاجًا يعادل في ذلك الوقت نصف احتياج إيطاليا من الطاقة اليومية.

وبحلول عام 1981، كانت جميع مرافق التشغيل الأولية تعمل، ومنها: شبكة من أنابيب لامعة تنقل الغاز الخام إلى المعامل لفصله وتنقيته، وأبراج وأنظمة ضغط تحافظ على مستوى ضغط كاف داخل خطوط الأنابيب، ومرافق لتخزين وتحميل سوائل الغاز المستخلصة، وخطوط أنابيب رئيسة طويلة لنقل غاز البيع إلى الأسواق، تقاطعت جميعها فوق أديم الأرض التي أحرقتها أشعة الشمس اللاهبة.

بحلول عام 1986، وُسعت شبكة الغاز الرئيسة لتشمل الحقول البحرية، وأصبح لدى أرامكو السعودية في ذلك الوقت القدرة على إنتاج ما يصل إلى 2 مليار قدم مكعبة قياسية في اليوم.

وبعد أكثر من أربعين عامًا، أصبحت شبكة الغاز الرئيسة تمكن الشركة من استخدام الغاز المنتج محليًا لخدمة قطاع توليد الطاقة الذي يعد المستهلك الرئيس وتليه قطاعات التكرير والصناعات البتروكيميائية ومعامل الاسمنت والتحلية ومرافق صناعة الفولاذ والسماد.

خطوط الأنابيب مد البصر -الصحراء- السعودية

بعض خطوط الأنابيب المستخدمة في شبكة الغاز الرئيسة.

توسيع شبكة الغاز الرئيسة

لاستيفاء الطلب على الطاقة في المملكة، واصلت أرامكو توسيع شبكة الغاز الرئيسة. كان معمل الغاز في الحوية الذي اكتمل إنشاؤه في عام 2001، أول معمل يبنى على وجه الخصوص لاستخلاص الغاز غير المصاحب من مكمن الغاز بدلاً من إنتاجه إلى جانب النفط. وهو إلى جانب المعامل التي تبعته في الإنشاء كمعمل حرض وواسط والفاضلي، يمثل الأهمية التي أولتها المملكة لتطوير مصادرها المحلية من الغاز.

المرحلة التالية تهدف لزيادة القدرة الإجمالية لشبكة الغاز الرئيسة لتصل 12.5 مليار قدم مكعبة قياسية في اليوم (أكثر من الاستهلاك السنوي للغاز في المملكة المتحدة وفرنسا معًا)، حيث ستضيف 821 كم من خطوط الأنابيب عبر ممر خطوط الأنابيب شرق/غرب، ومعملًا آخر لضغط الغاز. ومع زيادة إنتاج الغاز، قد تصدر المملكة الغاز الطبيعي بدل استخدامه للأغراض المحلية فقط.

إحدى أقل الشبكات في كثافة حرق الغاز في الشعلات في العالم

على الرغم من استطاعة شبكة الغاز الرئيسة القضاء على حرق الغاز المصاحب وذلك بإزالة 100 طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون كل عام منذ إنشائها، فإن بعض الحرق الروتيني للغاز في الشعلات ضروري، مثل التهوية لأغراض السلامة. تُعد شركة أرامكو واحدة من قادة العالم في الحد من الحرق الروتيني للغاز في الشعلات حيث تخطط لتقليصه إلى الصفر بحلول عام 2030. كما تُصّنف على أنها واحدة من أقل شركات قطاع النفط والغاز من حيث معدل كثافة الكربون.

ويُعزى ذلك إلى عدد المبادرات الرائدة في قطاع النفط والغاز وتقنية الوقف التام لحرق الغاز الروتيني مثل نظام مراقبة الشعلات الذي يستخدم تقنية الثورة الصناعية الرابعة لمراقبة حرق الغاز في الشعلات في الزمن الآني والحد منه. وقد أسست أرامكو كذلك برنامجا لكشف وإصلاح التسريبات لقياس انبعاثات الميثان بدقة والاستجابة لها، وقمنا بتركيب أنظمة لاستخلاص غاز الشعلات وطبقنا معايير صارمة للصيانة الهندسية على المعدات المستخدمة في عملياتنا.

وفي 2020، أبرمت أرامكو السعودية شراكة مع شركة متخصصة بغاز الشعلات لتُقوم بتصنيع وتوزيع تقنية مبتكرة للحرق عديم الدخان التي ابتكرها مهندس أرامكو مازن مشهور. حيث يسمح نظام الهواء عالي الضغط للشركة بتركيب تقنية الحرق عديم الدخان الجديدة على مداخن الشعلات القديمة بكفاءة وسرعة مما يساعد في تقليل الانبعاثات بشكل أكبر.

التوقف التام عن الحرق الروتيني للغاز في الشعلات عام 2030

وقد كرم البنك الدولي شركة أرامكو السعودية في عام 2015، كونها واحدة من الشركات الأقل حرقًا لغاز الشعلات في قطاع الطاقة والتي وصلت لأقل من 1%. إذ تهدف الشركة لخفض كافة الانبعاثات. حيث يحرز برنامج الحد من حرق الغازفي أرامكو السعودية نتائجًا ملموسة على أرض الواقع لتصل الشركة بذلك إلى تحقيق الوقف التام للحرق الروتيني للغاز، حيث انضمت الشركة في عام 2019 لمبادرة الوقف التام للحرق الروتيني للغاز بحلول عام 2030 التي أطلقها البنك الدولي حيث سيتم إطلاع رواد قطاع النفط والغاز على أفضل الممارسات للحد من حرق الغاز في الشعلات بصفة الشركة مثالًا يحتذى به.

نظام بارع ومستديم للحصول على للطاقة

كانت شبكة الغاز الرئيسة سببًا في وجود قطاع الغاز الضخم والمتنامي في المملكة، فقد استطاعت الشبكة تقليل الاعتماد على النفط اللازم لتوليد الكهرباء المحلية، كما أدى إلى تسريع وتيرة استراتيجية قطاع التكرير والمعالجة والتسويق لجعل أرامكو أحد أكبر شركات النفط والغاز المتكاملة في العالم. ومنذ أن بدأت أرامكو أعمالها، استخلصت ما يقرب من 99% من إجمالي الغاز المنتج.

من الكثبان الرملية إلى حقول الحمم البركانية وعبر السلاسل الجبلية الوعرة في الحجاز، ستواصل شبكة الغاز الرئيسة شق طريقها إلى مراكز الطلب في المملكة لتوفر لها الوقود النظيف واللقيم. ولا شك أن المخططين قد تميزوا ببعد نظر جعلهم يفكرون في إنشاء شبكة الغاز الرئيسة منذ كل تلك السنين التي خلت، وستستمر المملكة في زيادة قيمة موادها الهيدروكربونية إلى الحد الأٌقصى بأفضل طريقة مسؤولة وأكثر استدامة في المستقبل البعيد.

المزيد من مجلة عناصر

عرض جميع المقالات
~  ~  ~

تُقدَّم المعلومات الواردة في هذه المقالة لأغراض المعرفة العامة فقط، وتعكس ما كان متاحًا من معلومات وقت نشرها؛ وقد يطرأ عليها تغيير لاحقًا، ولا تتعهد أرامكو السعودية بتحديث هذا المحتوى أو مراجعته بعد النشر.